أسباب التعاطي والإدمان
التعريفات
الجزء الثالث
الإحساس باللذة أو النشوة أو “الدماغ” أو “عدلة المزاج” هي السبب الرئيسي لاستخدام المواد المغيرة للحالة المزاجية من أول النيكوتين في السجاير إلى الأفيونيات في الهيروين. وينطبق هذا أيضا على الاستمرار في السلوكيات التي نسميها سلوكيات إدمانية مثل القمار و العلاقات الجنسية والإفراط في الطعام. إلا أن هناك تفاعلات كثيرة ترتبط بهذا الإحساس. من أول التنبه بأن المرء قد يكون قد أفرط في الشراب مثلاً إلى التقبل أو الرفض الاجتماعي لاستخدام مادة معينة إلى وجود أو غياب فرص للحصول على إحساس مماثل من خلال خبرات أخرى متنوعة. ومن جهة أخرى القدرة على التعامل مع ضغط الأقران والاستخدام الجيد لمهارات الحياة وهكذا تلعب أدوارا هامة. وكلها عوامل تختلف من فرد لفرد ومن مجموعة لأخرى وتتحكم فيها عناصر وراثية وفردية وعائلية وثقافية. الدراسات العلمية تشير إلى أن أسباب استخدام وتعاطي وإدمان المواد المغيرة للحالة المزاجية يمكن تقسيمها إلى عدد من المستويات، بداية من مستوى الكيمياء الحيوية داخل خلايا المخ وهي التي تتحكم في تحقيق الإحساس الطيب (الدماغ) ونهاية بالموقف من الكون كله. وسنعرض لموجز هذه الأسباب على سبعة مستويات:
- 1. مستوى الكيمياء الحيوية (كيمياء المخ والأعصاب).
- 2. مستوى الجينات والوراثة.
- 3. مستوى النفس الإنسانية: من المنظور المعرفي السلوكي والمنظور النفسي الدينامي ومنظور السمات الشخصية.
- 4. مستوى العائلة.
- 5. مستوى المجتمع.
- 6. مستوى الثقافات والحضارات.
- 7. المستوى الوجودي ورؤية الكون.
3- المسببات على المستوى النفسي
أ. المنظور السلوكي المعرفي
يتميز هذا المنظور ببساطته ومباشرته وعدم تعقيده. ويسهل تطبيقه على تفسير أسباب الإدمان والتعاطي كما يسهل تطبيقه على العلاج أيضا. وهناك عدد من اأبعاد للنظريات المعرفية السلوكية التي تفسر استخدام المواد المغيرة للحالة المزاجية وإدمانها:
- الارتباط الشرطي
المناسبات الاجتماعية مثل الأفراح والأعياد والحتفال مثلا بالانتهاء بنجاح من عملٍ ما كلها ترتبط في ثقافات كثيرة بالشرب أو المخدرات. بل وتمضية وقت الفراغ مع آخرين و رؤية الأصدقاء ومواقف أخرى عديدة يمكن أن يتكرر ارتباطها بالكحول أو بتعاطي المخدرات ومتى حدث هذا لفترة طويلة من الوقت، يحدث ما يشبه تجربة كلب العالم الروسي الشهير بافلوف. أي ارتباط تقديم اللحم للكلب برن الجرس فيسيل لعابه. وبعد التكرار لعدة مرات وجد أنه عندما يتم رن الجرس فقط ولا يقدم أي لحم للكلب لعابه يسيل أيضاً. فسمي هذا الارتباط الشرطي. وفي الأمثلة المذكورة عاليه يحدث ارتباط شرطي بين السعادة والاحتفال والبهجة من جهة والخمر أو المخدرات من جهة أخرى.
- التعلم الشَرطي
التدعيم الشَرطي هو المكافاءة عند القيام بسلوك معين. ولا شك أن التعاطي يعطي إحساسا باللذة أو النشوة. وسحب التدعيم الشَرطي هو الإحساس السيء أو العقاب عند سلوك آخر. والتدعيم الشرطي السلبي أو سحب التدعيم يظهر بوضوح عند بدء أعراض الانسحاب.
- التعلم الاجتماعي والقدوة
التعلم الاجتماعي ليس فقط تقليد سلوك الآخرين ولكنه التأثر بتصرفات أو سلوك المحيطين بنا ومن ثم نميل إلى سلوك مشابه لهم. يتم تأثر الأطفال بسلوك الوالدين أو الأخوة الأكبر كما يتاثر المراهقون بقوة بسلوك أقرانهم فيتم التعلم الاجتماعي لشرب الخمور أو تعاطي المخدرات المختلفة.
- ميزان الأرباح والخسائر
تطوير النظريات أعلاه تطبيقه فيما يسمى حساب الأرباح والخسائر لاستخدام المواد المغيرة للحالة المزاجية. وهو قائم بصورة واعية أو شبه واعية لدى كل متعاطي. الأرباح تعني المكاسب النفسية والاجتماعية مثل اللذة والنشوة والهروب من المشاكل والتسلية والاسترخاء والشعور بزيادة الثقة في النفس أو تحسن الأداء الجنسي أو التغلب على الإرهاق وأيضا الصحبة والاتماء “لشلة” والخسائر قد تتضمن المال والمشاكل الصحية كفقدان اللياقة والوزن أو السعال أو الخراريج أو التهاب الكبدي أو الآيدز والشعور بالذنب أو عدم احترام الذات وفقدان ثقة الأهل والأصدقاء والتدهور في الدراسة والعمل والمشاكل القانونية. وهناك أيضا تتضمن وأرباح وخسائر للتوقف عن التعاطي. من أرباح التغيير ظهور الأمل واسترداد الصحة وتوفير المال وتجنب مزيد من التدهور لكن من خسائره مشقة التوقف وأعراض الانسحاب والشعور بالوحدة والاضطرار لمواجهة المشاكل المتراكمة وغيرها. الميزانان يتحكمان في عملية التعاطي والتوقف.
- المرحلة الأولى: التجريب. الغالبية العظمى من الذين يجربون المواد المؤثرة نفسياً لا يصبحون مدمنين. وأكثر الحالات شيوعاً في التأثير على الأفراد هي:
- ضغط الأصدقاء
- الفضول والبحث عن خبرات جديدة
- المرحلة الثانية: يتسبّب تعاطي المخدرات في خبرات إيجابية
- المرحلة الثالثة: نشوء العواقب المعاكسة ولكن يظل المدمنون يعثقدون أن سلوكهم لا علاقة له بمعاناتهم.
- المرحلة الرابعة: قرار التغيير وتطوّر محاولات التوقف
- المرحلة الخامسة: التوقف الفعال
- المرحلة السادسة: منع الانتكاسة
ب. المسببات من المنظور النفسي الدينامي
تناول هذا المنظور عددٌ من أصحاب النظريات على مدار سنوات طويلة من أول سيجموند فرويد مؤسس التحليل النفسي ورائد كل المدارس التي تسمى مدارس علم النفس الدينامي وحتى اليوم لا تتوقف هذه النظريات عن الظهور:
سيجموند فرويد: يرى أن العادة السرية هي الإدمان الرئيسي الذي يُستبدل ويُعوض عنه بالكحوليات والمورفين والتبغ وما شابه. كما فسر فرويد أن الكحول و السجائر والمواد التي تستخدم عن طريق التدخين كالحشيش و الأفيون هي شكل من أشكال النكوص إلى المرحلة الفمية، عندما كان الطفل يستمتع أساساً من خلال استخدام الفم في الرضاعة.
كارل أبراهام: يلوذ الرجال من خوفهم من ميولهم الجنسية المثلية بالكحوليات. فيعيشون دور الذكورة المبالغ فيها من خلال الذهاب للحانات واحتساء الخمور.
ساندور رادو: يشبه تعاطي المكيفات جميعا بحالة الطفل الرضيع عندما يشبع ويدفأ ويكون آمنا سعيدا فيشرق وجهه بسعادة ونشوة كما لوكان كلي القدرة. وفي هذه الحالة يكون الرضيع نرجسي مغرور. ويرى رادو أن استخدام المكيفات هو محاولة غير واعية لاستعادة هذه الحالة.
كارل مينينجر: في كتابه الشهير ” الإنسان ضد نفسه” يصف ميننجر عدة أنماط من سعي الإنسان لتدمير نفسه. ومن ضمنها إدمان الكحوليات. الإدمان لدى ميننجر هو انتحار بطيء.
أوتو فينيكل: اعتبر استخدام المكيفات آلية دفاعية للتعامل مع العجز عن التكيّف مع الضغوط وضعف القدرة على التعبير عن الغضب.
دونالد وينيكوت: اقترح أن هناك ثلاثة أنواع من الأمهات: الأم السيئة أو المهملة والأم الممتازة أو المثالية والأم ذات المستوى المقبول good enough. ويرى أن الأم المهملة أو السيئة تترك انطباعا لا يمحى في الطفل أن العالم مكان سيء فقد يلجأ الطفل للمخدرات للتعامل مع العالم. بينما الأم المثالية تترك في الطفل توقع أن العالم سيستجيب دائما لاحتياجاته بصورة جيدة وكافية وأنه مكان شديد الأمان والانتظام، وعندما يصطدم المراهق بكون العالم غير ذلك، يلجأ للمكيفات. أما الأم المقبولة متوسطة الآداء فهي خير من يجهز أولادها للعالم الحقيقي وبالتالي خير من يقيهم من الإدمان.
دي. ال. جيرارد وسي. كورنتسكي Gerard and Kornestky في منتصف خمسينيات القرن العشرين اقترحا أن المراهق يتناول المكيفات كوسيلة للتغلب على القلق الذي ينتابه حينما يتطلع إلى الأدوار التي ستطلب منه عندما يصير راشدا بينما هو يشعر أنه غير متأهب لها ولا مجهز للتعامل مع ضغوطها. ولا شك أن هذه النظرية بالذات تتسق مع دراسات هامة أعلنت نتائجها بعد ذلك وتشير أن تجهيز الأطفال والمراهقين بمهارات الحياة يقلل من خطر تعاطيهم للمخدرات.
جاكوبسون وكينبرج: تحدثا عن الاضطرابات في نمو الوعي بالذات وإدراك القيمة الذاتية. بما يولد دفاعات نفسية بدائية لدى المعرضين لإدمان الكحوليات فيشعرون بقيمة مبالغ فيها لذواتهم ويرفضون أن يروا الجوانب السيئة في شخصياتهم. ويستخدمون الكحول للتعامل مع هذه المشكلات.
والانت: الاضطراب في العلاقات المتمركزة حول النفس.
كريستال وراسكين: فزع مستمر من إعادة اختبار المشاعر الصادمة التي حدثت أثناء كون الإنسان رضيعاً قبل تعلمه الكلام عندما كان عاجزا عن الافصاح عما يعانيه من جوع أو بلل أو مغص بما يرتبط من عدم القدرة على الإفصاح والتعبير عن المشاعر.
اريك بيرن: التحليل التفاعلاتي: وضع نص “لعبة مدمن الكحول”. أدوار الضحية و المدمن والمنقذ والشهيد والمهرج يتم توزيعها على أسرة المدمن ويظل اسيرا لها وهي تؤدي إلى استمرار التعاطي حتى يستمر السيناريو أو تستمر اللعبة.
نظرية المداواة الذاتية: إدوارد خانتزيان
يقترح خانتيزيان أن المرض النفسي المعلن أو الواضح في أعراض ظاهرة، والمرض النفسي المضمر السري أي الذي ليس له أعراض ظاهرة ولكنه قابع في اللاشعور. يدفعان بالناس إلى تعاطي المواد الغيرة للحالة المزاجية كوسيلة للهرب من مشاكلهم. ويصنّف كل من القلق والاكتئاب والغضب كأسباب للتعاطي لكن لم يثبت علميًا حتى الآن أن الأطفال الأكثر قلقًا هم أكثر عرضه للإدمان.
تعاطي المخدرات لدى المرضى النفسيين
لا يوجد شك أن اضطرابات استخدام المواد المغيرة للحالة المزاجية ترتبط بأعراض نفسية متعددة. لكن قد تكون هذه الأعراض كاهلاوس والقلق والكتئاب نتيجة للمرض النفسي لا سبب له أو قد تكون مجرد مصاحبة له. في بحث على 20291 حالة في الولايات المتحدة، أظهرت النتائج أنّ: أكثر من نصف الأشخاص المتعاطين للمخدرات غير الكحولية لديهم على الأقل مرض عقلي واحد. وترتفع النسبة بين مدمني الكوكايين إلى 76% . وفي بحثٍ آخر وُجد أن انتشار تعاطي المخدرات قائم في:
- 47 % من المصابين بالشيزوفرينيا (الفصام)
- 24 % من المصابين باضطرابات القلق
- 47% من متعاطي الكحوليات
- 53 % من متعاطي المخدرات الأخرى
ج. المسببات من منظور اضطرابات الشخصية وسمات الشخصية
النظريات القديمة عن الشخصية الإدمانية Addictive Personalityأي أن المدمن له سمات محددة منذ الطفولة لم يتم إثباتها ورغم شعبيتها في اوساط كقيرة إلا أنها لا تلقلى قبولا في الدوائر العلمية الرصينة.بل أظهرت الدراسات أنّ التغيّرات في سمات الشخصية هي للتعاطي لا سبب له. وتتضمن هذه التغيرات السمات المضادة للمجتمع مثل الخداع والمناورة والكذب والسلوك غير المسؤول وتغيير الوظائف والسلوك الإجرامي. والوجه الآخر “للشخصية الإدمانية” من سمات السلبية. فقد أثبتت الدراسات التتبعية أن المدمنين عكس المعتقدات السائدة كانوا شديدي الثقة بأنفسهم، وعنفاء ويميلون للجنس الآخر (أي ليس لديهم ميول مثلية) أكثر من أقرانهم. إذن غالباً ما تنشأ العادات السلبية والسمات المضادة للمجتمع فيما بعد التعاطي لكنها بلا شك تؤدي إلى تأكيد أسلوب الحياة الإدمانية، وتجعل من الصعب تحطيم القيد الإدماني.
وبالرغم من أنّ مشاكل تعاطي المخدرات مرتفعة جداً لدى الذين يعانون من اضطراب في الشخصية (وخاصة المضادين للمجتمع) ومفرطي النشاط أو الذين عانوا من القمع الشديد في الطفولة مقارنةً مع الأشخاص الطبيعيين وبالرغم من وجود بعض الدلائل تشير إلى أنّ اضطراب ضغوط الصدمات السابقة (في البالغين والأطفال) يرفع من نسبة احتمالية تعاطي المخدرات. ويُقال إن اضطراب الصدمات الذي يصعب تشخيصه بشكل واضح لديه نفس التأثير. كثير ما ينظر إلى العصابية وموضع التحكم الخارجي. والشخصية البينية أسباباً محتملة لاضطرابات تعاطي المخدرات، ولكن الدلائل ليست نهائية ولا حاسمة.
وجد أنه لا توجد علاقة بين الكذب والخجل الاجتماعي وبين الإدمان. السمة الوحيدة في شخصية الأطفال والمراهقين التي تغرضهم للتعاطي أكثر من غيرهم هي سمة حب المغامرة والتجريب، وهي سمة أساسا إيجابية إن أٌحسنا استثمارها.
اعنقاد الفرد أن ما يتحكم في سعادته ظروف لا صلة له بها كالصحة أو إعجاب الآخرين أو الحظ أو الطبفة التي ولد فيها.. الخ.