isaacsfreedom

“ما بين القلق الوجودي والوجود الأصيل” لقاء تخيلي بين هايدغر وكارل روجرز.

كمال جرجس

أ. كمال جرجس

ما بين القلق الوجودي والوجود الأصيل

لقاء تخيلي بين هايدغر[1] وكارل روجرز[2]

في مقهى صغير على أطراف غابة كثيفة، تحت سماء رمادية مائلة إلى الزرقة، جلس رجلان متقابلين. بينهما طاولة خشبية قديمة، وفناجين قهوة سوداء تفوح منها رائحة مُرّة وعميقة.

هايدغر (ينظر إلى النافذة، صوته منخفض كمن يخاطب الريح):

الوجود… إنه سؤال لم يعد الإنسان المعاصر يطرحه. يغرق في الأشياء اليومية، في اللاشيء، هاربًا من مصيره.”

روجرز (يبتسم بهدوء، ناظرًا إلى وجه هايدغر):

ربما لأنه خائف. مواجهة الذات تتطلب شجاعة نادرة. الإنسان، كما أراه، يحتاج أولاً إلى أن يشعر بالأمان كي يواجه قلقه.”

هايدغر (بصوت ثقيل):

القلق الوجودي ليس شيئًا نختاره. إنه يهجم علينا حين نفتح أعيننا فجأة على العدم الكامن تحت كل شيء.

حينها ندرك: نحن موجودون… لكن نحو ماذا؟”

روجرز (يميل بجسده للأمام):

وأنا أرى أن هذه اللحظة — لحظة القلق — يمكن أن تكون بداية ولادة جديدة. القلق قد يرشد الإنسان إلى أصالته، إذا وجد من يرافقه دون أن يحكم عليه.”

يصمتان قليلاً. صوت أوراق الشجر الجافة تتراقص في الخارج.

هايدغر:

الوجود الأصيل، كما أفهمه، هو أن تعيش واعيًا لمحدوديتك. ألا تسمح للناس، ولا للأعراف، أن يقرروا عنك كيف تكون. بل أن تتحمل وحدتك واختيارك بنفسك.”

روجرز (بنبرة دافئة):

وأنا أقول للإنسان: اسمح لنفسك أن تشعر. أن تسمع صوتك الداخلي دون تشويه. الوجود الأصيل لا يعني فقط أن تختار أفعالك بحرية، بل أن تكون صادقًا مع خبرتك العاطفية، مهما كانت.”

هايدغر (بتأمل):

لكن يا كارل، هل تصمد الحرية أمام رعب الموت؟ نحن نعيش معلّقين فوق فراغ لا نهائي… في النهاية، كل مشروع ننجزه، وكل علاقة نبنيها، مآلها العدم.”

روجرز (بابتسامة حزينة):

نعم، نحن فانون. ولكن في هذه الفناء تكمن قيمة اللحظة. أن تحب رغم أنك ستموت، أن تبني رغم أنك ستفنى — هذا هو شرف الإنسان. القلق من الموت لا يجب أن يشلنا، بل أن يعلّمنا كيف نحيا بشجاعة.”

ينظر كل منهما إلى الآخر، كأنما يعترفان بشيء لا يحتاج إلى كلمات.

هايدغر (بهمس):

ربما الأصالة ليست غاية، بل مسار. مسار محفوف بالقلق… ومضاء بالصدق.”

روجرز (بصوت مفعم بالحياة):

نعم، مسار يبدأ بالإنصات العميق للذات. أن تكون كما أنت، بكل ما فيك من ضعف وقوة، قلق وأمل.”

تصمت الطاولة الخشبية. فقط أنفاس القهوة ترتفع مع أنفاس الكلمات التي قيلت. في الأفق، خيوط شمس خجولة تخترق الغيوم.

[1] مارتن هايدغر (1889–1976)

فيلسوف ألماني يُعد من أبرز مفكري القرن العشرين، ترك بصمة عميقة في الفلسفة الوجودية والظاهراتية.
ركّز في عمله الأساسي الكينونة والزمان على سؤال الوجود، معتبرًا أن الإنسان كائن-نحو-الموت، يعيش القلق كشرط لكشف حقيقته الأصيلة.
دعَا هايدغر إلى “الوجود الأصيل”، حيث يتحرر الإنسان من التقاليد والانشغال اليومي ليواجه مصيره الفردي بشجاعة وصدق.

[2] كارل روجرز (1902–1987)

عالم نفس أمريكي وأحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس.
طوّر “العلاج المتمركز حول العميل”، مؤمنًا بأن لكل إنسان ميلًا فطريًا نحو النمو وتحقيق الذات في بيئة داعمة خالية من الحكم.
ركّز على أهمية القبول غير المشروط، والتعاطف العميق، والصدق في العلاقة العلاجية كوسائل لتمكين الفرد من الوصول إلى ذاته الأصيلة.

عن الكاتب
كمال جرجس

أ. كمال جرجس

نائب مدير قطاع التدريب برنامج الحرية للتعافي من الادمان والايدز
Scroll to Top