isaacsfreedom

أسباب التعاطي والإدمان الجزء الثانى

ايهاب الخراط

دكتور ايهاب الخراط

أسباب التعاطي والإدمان الجزء الثانى

الإحساس باللذة أو النشوة أو  “الدماغ” أو “عدلة المزاج” هي السبب الرئيسي لاستخدام المواد المغيرة للحالة المزاجية من أول النيكوتين في السجاير إلى الأفيونيات في الهيروين. وينطبق هذا أيضا على الاستمرار في السلوكيات التي نسميها سلوكيات إدمانية مثل القمار و العلاقات الجنسية والإفراط في الطعام. إلا أن هناك تفاعلات كثيرة ترتبط بهذا الإحساس. من أول التنبه بأن المرء قد يكون قد أفرط في الشراب مثلاً إلى التقبل أو الرفض الاجتماعي لاستخدام مادة معينة إلى وجود أو غياب فرص للحصول على إحساس مماثل من خلال خبرات  أخرى متنوعة. ومن جهة أخرى القدرة على التعامل مع ضغط الأقران والاستخدام الجيد لمهارات الحياة وهكذا تلعب أدوارا هامة. وكلها عوامل تختلف من فرد لفرد ومن مجموعة لأخرى وتتحكم فيها عناصر وراثية وفردية وعائلية وثقافية. الدراسات العلمية تشير إلى أن أسباب استخدام وتعاطي وإدمان المواد المغيرة للحالة المزاجية يمكن تقسيمها إلى عدد من المستويات، بداية من مستوى الكيمياء الحيوية داخل خلايا المخ وهي التي تتحكم في تحقيق الإحساس الطيب (الدماغ) ونهاية بالموقف من الكون كله. وسنعرض لموجز هذه الأسباب على سبعة مستويات:

  • 1- مستوى الكيمياء الحيوية (كيمياء المخ والأعصاب).
  • 2- مستوى الجينات والوراثة.
  • 3- مستوى النفس الإنسانية: من المنظور المعرفي السلوكي والمنظور النفسي الدينامي ومنظور السمات الشخصية.
  • 4- مستوى العائلة.
  • 5- مستوى المجتمع.
  • 6- مستوى الثقافات والحضارات.
  • 7- المستوى الوجودي ورؤية الكون.

2- المسببات على مستوى الجينات والوراثة

معظم الدراسات الوراثية حول أسباب الإدمان قد أجريت على متعاطي الكحوليات والنيكوتين، وذلك لأنهما قديمان وأمكن دراستهما داخل نفس العائلة من خلال تتبع أجيال متعاقبة من مدمنيهما. لكن بالنسبة للهيروين مثلا فلم يكن موجودًا في فترة شباب آباء وأجداد الجيل الحالي.

وأوضحت نتائج بعض الدراسات أن نسبة الأبناء الكحوليين داخل عائلة أحد الأبوين فيها كحولي تعادل أربعة أمثال نسبتها في عائلة الأبوين فيها غير كحوليين. ولكن قد يقول قائل أن هذا ربما كان تأثير التعلم الاجتlاعي للسلوك أو التقليد أو النشأة في الظروف القاسية لأسرة الكحولي لكن دراسات التبني أظهرت بوضوح العنصر الوراثي . فعندما قام آباء كحوليين بإعطاء أبنائهم للتبني وتبناهم أباء غير كحوليين وجد الباحثون أن نسبة أبنائهم الذين أصبحوا كحوليين ظلت عالية جداً بالرغم من أنهم تربوا وعاشوا مع آباء بالتبني غير كحوليين ولم يعايشوا أبائهم  البيولوجيين الكحوليين ولم يتأثروا بهم بل أنهم حتى لم يعرفوا أن أبائهم البيولوجيين كحوليين. بينما عند متابعة أبناء لأباء بيولوجيين طبيعييين رباهم أباء كحوليين وعاشوا معهم حياتهم المضطربة كانت نسبة الكحوليين بينهم منخفضة. وهذا دليل قاطع على أن تأثير الجينات يفوق تأثير البيئة بما لا يقارن. كما أُظهرت دراسة على التوائم المتماثلة وغير المتماثلة أن نسبة إدمان الكحول في التوائم المتماثل أعلى بكثير من غير المتماثلة (بنسبة 60% مقابل 39%). الوراثة إذن تلعب دورا حاسماً إنما السؤال كيف تؤثر الوراثة في إدمان الكحول؟ ما نوع التسبيب هنا ؟

1.كيف تلعب الوراثة دورا في الإدمان؟

الكحول يتم تكسيره في الكبد إلى مادة الأسيتالداهيد ثم يتم تكسير الأسيتالداهيد إلى ثاني أكسيد الكربون والماء ويخرج مع البول. لكن إذا زادت كمية الأسيتالدهايد يتراكم في الجسم فيسبب خفقان أي إزدياد واضطراب في ضربات الفلب وصداع شديد وإحمرار الوجنتين وغثيان وقيء.

وُجد أنّ 50% من بعض الأجناس الآسيوية ينقصهم أنزيم الكبد  الذي يقوم بتكسير الأسيالدهايد الأسيتالديهيد (acetaldehyde) بما يسبب ارتفاع مستوى الأسيتالديهيد في الدم مع كل آثاره الجانبية المزعجة؛ مما يفسر بطبيعة الحال عدم إقبال هذه المجموعة من الآسيويين شرب الكحوليات. وظن البعض أن عملية مماثلة تحكم العنصر الوراثي عموماً.

2.الجين المستقبل للدوبامين (DRD2) gene

وظهرت نظرية أخرى تقول أن المدمنين عموماً لديهم مشكلة في الجين المتحكم في انتاج مستقبلات الدوبامين في مركز المجازاة. ومن ثم شعورهم باللذة أو المجازاة للأسباب الطبيعية التي يشعر بها البشر عموما يكون ضعيفا لنقص عدد مستقبلات الدوبامين لديهم. وأظهرت بعض الدراسات نتائج واعدة في هذا الاتجاه. لكن الدراسات اللاحقة لم تؤكد هذه النظرية ولايزال الجدال حول “جين الإدمان” هذا قائماً.

  1. التمايز في الإحساس الذاتي بتأثير الكحول وفي الترنح

هناك اختلاف رئيسي ثابت بين العائلات ذات التاريخ الإيجابي للكحولية أي العائلات التي بها كحوليين، والعائلات ذات التاريخ السلبي أي التي ليس بها أفراد كحوليين. والفارق الأساسي وجد في حدّة مشاعرهم الذاتية للثمالة بعد شرب الكحوليات أي الإحساس أنهم قد وصلوا للمراد من الشراب أو ربما أفرطوا في الشرب. وجدت الأبحاث أن الذين ينتمون للعائلات ذات التاريخ الإيجابي أقل ثمالة ولا يترنحون أي لا تتأرجح أجسادهم بسهولة عند المشي. أي “دماغهم ثقيلة” أي لا “يسكرون بسرعة” إذا قارنهم بمن ينتمون لعائلات ذات تاريخ سلبي أي عند شرب عدد معين من كؤوس الكحول مجموعة الأفراد الذين لا يوجد لديه تاريخ أسري من الكحولية يترنحون عند المشي ويشعرون بأنهم أفرطوا في الشراب بينما عند شرب نفس العدد من ذات المشروب الكحولي الذين يوجد بين أبائهم أو أقاربهم كحوليين يسيرون بدون ترنح ولا يشعرون أنهم أفرطوا في الشرب.  ومن جهة أخرى المجموعتان تان في درجة التدهور في الوظايف المعرفة للذه وفي وظائف التناسق العصبي والعضليوفي التوازن في المشي على خط مستقيم عمداً   فقد أظهر من ينتمون للعائلات التي ليست بين أفرادها كحوليين. بينما عندما قيست درجة التدهور في القدرات المعرفية وجدت متساوية، فعندما تطلب منهم إجابة سؤال معقد قليلا   مثلا ما حاصل ضرب خمسة في سبعة عشر في ثلاثة ؟  3 وجد أن الأفراد في المجموعتين بعد شرب نفس العدد من كؤوس الكحول يفشلون في الإجابة. وعندما يطلب منهم لمس طرف الأنف بأصبع واحد أو في وضع قدم بعد أخرى على نفس الخط المستقيم على الأرض يفشل أعضاء المجموعتين بنفس القدر. إذن أعضاء المجموعتين يفشلان بنفس القدر أي أنهم جميعاً “سكروا” بنفس القدر لكن أصحاب التاريخ الأسري لا يشعرون هم أنهم سكروا ولا يشعر الآخرون حولهم بذلك لأنهم لا يترنحون. ولعل هذا التفسير هو الأرجح أي أن مايورث هو فقدان جهاز الإنذار بأن المرء قد أفرط في الشراب. فيتعلق المخ بالشراب المفرط بسبب التكرار الذي يحدث بدون توقف. وهذا شبيه بالسيارة التي تتعطل فيها لمبة إنذار ارتفاع درجة الحرارة فيحرق محركها من ارتفاع الحرارة بدون أن يدرك السائق أن الحرارة ارتفعت  أصلاً.

4. نظرية قنوات الكالسيوم مكانية إدمان الكحوليات

هناك مؤشرات أن نظام تبادل الكالسيوم في قنوات خلايا الجسم مؤثر في نمو الاعتماد على الكحول.ومؤشرات أن عناصر الوراثة تتحكم في هذه القنوات.

تُظهر دراسات العائلة ودراسات حالات التوائم و دراسات حالات التبنّي هذه الدراسات أنّ عناصر الوراثة تؤثر على سلوك المدخنين بطرق مشابهة لتأثيرها في الكحوليين. وبينما الدراسات على الإدمانات الأخرى لا تزال قليلة نسبياً وأقل حسماً إلا أنه يظن أن نفس الآليات أو آليات مشابهة قد تكون متحكمة في الاستعداد الوراثي لإدمان مواد معينة أو على وجه الدقة تفضيل مواد معينة عن مواد أخرى. الأرجح إذن أن الوراثة لا تحتم “الاستخدام” عموماً أو “التعاطي” أو ” الإدمان” لكنها تجعل بعض الناس عرضة لإدمان مواد بعينها أكثر من غيرهم إذا ما أستخدموا هذه المواد.

عن الكاتب
ايهاب الخراط

دكتور ايهاب الخراط

د. إيهاب الخراط – استشارى الطب النفسى تخرج من كلية الطب جامعة القاهرة عام 1982، وحصل على ماجستير الطب النفسي من نفس الجامعة، ثم حصل على الدكتوراة في علاج الإدمان من جامعة «كنت» بانجلترا، متزوج من طبيبة ولديه 3 أولاد محامية وطالبين جامعيين مساهماته فى المجال الطبى والتعليمى • قام بالتدريس في جامعات «لندن وكنت»، وألقى عدة محاضرات في السعودية وقطر ولبنان وكل الدول العربية، بالإضافة إلى للولايات المتحدة وأسبانيا وروسيا وأوكرانيا وكندا وكينيا وجنوب أفريقيا وغيرها • الرئيس السابق للتجمع العالمي للتعامل مع التعاطي والإدمان، والذي يضم أعضاء من 75 دولة مختلفة • رائد برامج تأهيل المدمنين والوقاية من التعاطى والإدمان فى مصر • كبير خبراء برامج الأمم المتحدة فى القيادية والإدمان والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر • رائد فى بناء قدرات عشرات الآلاف من الشباب وتنمية مهارات الحياة والمشاركة فى المجتمع • كما أنشأ مؤسسة تدريب معترف به عالمياً، ومزرعة نموذجية لتأهيل المدمنين • يشغل الآن منصب مدير عدة مراكز للتأهيل الاجتماعي والنفسي للإدمان مساهماته فى المجال الخيرى • أسس 4 مراكز خيرية في شرق القاهرة و3 في شمال القاهرة، بالإضافة إلى 8 مراكز أخرى في أنحاء متفرقة من الجمهورية مساهماته فى النشاط السياسى • ناشط سياسي في الحركة الطلابية (1976-1982) بكلية طب قصر العيني، وفي نقابة الأطباء من سنة 1988 حتى الآن • عضو مؤسس في حركة «أطباء لكل الوطن» النقابية منذ عام 1988 • كان عضو بالمنظمة المصرية لحقوق الإنسان عام 1990 • مؤسس ورئيس منظمة العدالة والحرية منذ عام 2002، التي تعمل على تدريب القيادات المحلية لاسترداد حقوق المظلومين، وتضم أكثر من ألفين متطوع و16 ألف متدرب في 10 محافظات • عضو مؤسس في حركة «أطباء لكل الوطن» النقابية منذ عام 1988 • وكيل مؤسسي الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى من مارس 2011، ونائب رئيس الحزب للشئون السياسية، الذى تأسس من رحم الثورة فى ميدان التحرير
Scroll to Top