أسباب التعاطي والإدمان – الجزء الرابع
الإحساس باللذة أو النشوة أو “الدماغ” أو “عدلة المزاج” هي السبب الرئيسي لاستخدام المواد المغيرة للحالة المزاجية من أول النيكوتين في السجاير إلى الأفيونيات في الهيروين. وينطبق هذا أيضا على الاستمرار في السلوكيات التي نسميها سلوكيات إدمانية مثل القمار و العلاقات الجنسية والإفراط في الطعام. إلا أن هناك تفاعلات كثيرة ترتبط بهذا الإحساس. من أول التنبه بأن المرء قد يكون قد أفرط في الشراب مثلاً إلى التقبل أو الرفض الاجتماعي لاستخدام مادة معينة إلى وجود أو غياب فرص للحصول على إحساس مماثل من خلال خبرات أخرى متنوعة. ومن جهة أخرى القدرة على التعامل مع ضغط الأقران والاستخدام الجيد لمهارات الحياة وهكذا تلعب أدوارا هامة. وكلها عوامل تختلف من فرد لفرد ومن مجموعة لأخرى وتتحكم فيها عناصر وراثية وفردية وعائلية وثقافية. الدراسات العلمية تشير إلى أن أسباب استخدام وتعاطي وإدمان المواد المغيرة للحالة المزاجية يمكن تقسيمها إلى عدد من المستويات، بداية من مستوى الكيمياء الحيوية داخل خلايا المخ وهي التي تتحكم في تحقيق الإحساس الطيب (الدماغ) ونهاية بالموقف من الكون كله. وسنعرض لموجز هذه الأسباب على سبعة مستويات:
- مستوى الكيمياء الحيوية (كيمياء المخ والأعصاب).
- مستوى الجينات والوراثة.
- مستوى النفس الإنسانية: من المنظور المعرفي السلوكي والمنظور النفسي الدينامي ومنظور السمات الشخصية.
- مستوى العائلة.
- مستوى المجتمع.
- مستوى الثقافات والحضارات.
- المستوى الوجودي ورؤية الكون.
4- المسببات المتعلقة بالعائلة
كل النظريات عن غياب الأب و “التفكك الأسري” لم تثبتها الدراسات التتبعية الكبرى بل أظهرت عدة دراسات كبرى عدم وجود تأثير لهذا العوامل. واضطراب أدوار الأسرة يصعب قياسه وتتبع أثره. تشير الدراسات عموما أن عوامل الأسرة لا تمثل أسبابا مؤثرة في زيادة نسبة التعاطي والإدمان ماعدا تعاطي المخدرات والكحول وسوء استخدام الأدوية من أفراد الأسرة والعنف الأسري. كما تشير أبحاث نُظم الأسرة أن خرق أو عدم وجود شعائر أو طقوس عائلية (كالوجبات معا والأعياد وترتيبات معينة في البيت الخ) عنصر خطورة يلي إدمان الوالدين في الخطورة .
5- المسببات المتعلقة بالمجتمع المحيط
ضغط الأقران والأصدقاء
قد يكون هذا الضغط ضغطا مباشرا مثل الإقناع الشفهي أو عرض المخدرات على المراهق. أو بطريقة غير مباشرة مثل الوجود بين أصدقاء يتعاطون المخدرات أو تقليد النمط الموجود وخاصةً في سن المراهقة.
متطلبات الوظيفة
تتسم بعض الوظائف بكثرة فرص شرب الكحول مثل، أصحاب البارات ومدراء الفنادق والعاملون بالنقل البحري والصحفيون. بينما تسنح للموظفين في القطاع الطبي (مثل الأطباء والممرضات والصيادلة) فرص أكبر للحصول على المخدرات المتصلة بالمورفين مثلا أو المهدئات. البطالة وعدم الاستقرار في الوظيفة لا يرفعان من احتمال بداية التعاطي، بعكس الاعتقاد الشائع. لكنهما من أسباب زيادة فرص الانتكاس بعد التوقف فترة عن التعاطي.
6- المسببات الحضارية وفي الثقافة الاجتماعية
إتاحة وسهولة الحصول على الكحوليات عامل رئيسي في زيادة نسبة الاستهلاك الكلي للفردكما تؤدي إلى زيادة المشاكل الصحية. توقفت صناعة النبيذ في فرنسا اثناء الحرب العالمية الثانية فانخفضت نسب تليف الكبد بشكل كبير وعند استئناف الصناعة عادت النسب إلى معدلاتها قبل الحرب. لقد عرفت المخدرات الطبيعية ذات التأثير النفسي مثل الأفيون والقنبيات في حضارات مختلفة من أزمنة قديمة، وتم تعاطيهم وإدمانهم منذ قدم التاريخ. وبالرغم من ذلك، فإن إحدى سلبيات التطور في تركيب وتصنيع الأدوية هو اكتشاف مواد صناعية مخلقة جديدة وإتاحة التركيبات التي تتسبب في بروز إدمانات جديدة. تم طرح الهيروين (diacetyl morphine) في الأسواق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كعلاج فعّال لنزلة البرد العادية على أنه “آمن” وليس “مسبباً خطيراً للإدمان”. كما طُرح الكوكايين في أوائل القرن العشرين في الشكل الأول لمشروب الكولا والذي كان يُستخدم فيه الكوكايين كعنصر أساسي. ثم تم استبدل الكوكايين بمنشط أخف تأثيرا هو الكافيين.
تؤثر عناصر السوق والعوامل السياسية والاجتماعية الحكومية في مدى إتاحة المخدرات. كان الهيروين في عام 1996 يُباع في الولايات المتحدة بأقل من نصف السعر الذي كان يُباع به عام 1981، وارتفعت نقاوة الهيروين إلى 65% في الكثير من المدن مقارنة بنسبة 7% عام 1981. وانخفضت أيضاً أسعار الكوكايين ب2/3 من سعرها في نفس الفترة تقريباً.
لكن من جهة أخرى أثبتت تجربة منع الكحول عام 1930 بأن السياسات التي تعاقب على التعاطي جنائيا لا تؤدي إلى نجاح كبير.
وأثبتت الدراسة أن إدمان الكحول على مدى عمر الإنسان هو بنسبة 19% في الملونين و5% في ذوي البشرة البيضاء. كما يمكن أن يكون الرجال من أصل إيرلندي أكثر قابلية لإدمان الخمر من الرجال من أصول إيطالية أو سورية أو يهودية أو يونانية أو برتغالية. ويلاحظ إن البلاد غير الإسلامية التي تقع على البحر المتوسط ليست لديها موانع دينية أو ثقافية تجاه شرب الكحوليات بتعقل ولكن يمانعون بشدة السُكر حتى عند البالغين وحتى في العطلات.
يؤثر كل من الرأي العام والتوعية ضد مخاطر المخدرات المؤثرة نفسيًا، على تعاطي المخدرات. تقلّ نسبة تعاطي المخدرات عندما يدرك الناس المخاطر المصاحبة للتعاطي، حتى لو زادت نسبة إتاحة المخدرات. ويُظهر الجدول التالي التغيّر في نسبة تعاطي بعض المواد المغيرة للحالة المزاجية في الشهر السابق للدراسة في الولايات المتحدة بين عامي 1985و1992
| 1985 | 1992 | % التغيير | |
| الكحوليات | 113 مليون | 98 مليون | 13 % |
| السجائر | 60 مليون | 54 مليون | 10% |
| الماريجوانا | 18 مليون | 9 مليون | 50% |
| الكوكايين | 6 مليون | 3,1 مليون | 70% |
نلاحظ أن الحملة الشديدة ضد الماريجوانا والكوكايين وإدراك خطورتهما أدت إلى خفض عدد المتعاطين بدرجة أعلى بكثير من انخفاض عدد من يستخدمون مواد أكثر قبولاً من المجتمع. لكن لاحظ ايضا أن هذا عدد المستخدمين ولو لمرة واحدة وليس بالضرورة أن تتسبب مثل هذه الحملات في خفض عدد المدمنين بنفس النسبة.
7- المسببات الوجودية والروحية و رؤية الكون
توضح الاكتشافات الحديثة بأن الممارسات الروحية و الدينية يمكن أن تكون عاملاً مهماً ضد إدمان المخدرات والكحوليات. وثبت وجود ارتباط وثيق بين التعافي وما يسمى بالروحانية.الروحانية تعني مفهوم قابل للدراسة والقياس وأجريت عليه الكثير من الأبحاث العلمية الرصينة والعفية. ولها تعريفات كثيرة أبسطها القدرة على أن يستمد الإنسان عونا على مواجهة مشاكل الحياة من مصدر أعظم منه ( كالطبيعة أو التاريخ أو الجمال أو طبعا الله) والحياة من أجل هدف أعظم من الإنسان والروحانية غير التدين. حيث التدين هو الاعتقاد بمنظومة دينية محددة تفسر بداية ونهاية الكون وممارسة فرائض وشعائر هذه المنظومة الدينية. وقد يكون الأنسان ممارسا للفرائض والشعائر لكن لا يعيش إلا لمصلحته هو الآنية أو في الحياة الأخرى وقد يمارس الشعائر ويطيع الفرائض ولا يستمد قوة داخلية من هذه الممارسات. وقد يعيش لهدف أعظم منه ويستمد منه قوة لكن هذا لا علاقة له بمنظومة دينية بعينها. الدراسات تشير إلى أن ممارسة (وليس مجرد الاعتقاد) كل من التدين والروحانية عناصر حماية من التعاطي لكن الروحانية عنصر حماية أهم.
الممارسات الروحانية مثل التأمل والدعاء وخدمة الآخرين تقلل من احتمالات التعاطي لأول مرة وتزيد من احتمالات التعافي. كما لوحظ أن الاضطرابات النفسية والاجتماعية والصحية نتيجة تعاطي الكحول تقل لدى المتدينين.
ويمكن لعامل آخر يمكن أن يمى البعد “الروحي” العام أن يلعب دورا هاما ى في هذا المجال وهو مايسمى الهدف في الحياة المبني على نظريات العلاج بالمعنى لفيكتور فرانكل. وقد أجريت دراسات عديدة مستخدمة مقياس الهدف من الحياة Purpose in Life وأظهرت نتائج مشابهة للمذكورة عاليه.
ويمكن أيضاً أن يكون لنواحٍ محددة من الروحانية والتدين ارتباطٌا بالإدمان والتعاطي، اظهرت دراسات جورساتش Gorsuch عام 1995أن صورة الله في ذهن الأفراد (وهي ظاهرة قابلة للقياس ومدروسة جيدا) تلعب دورا هاما في تعرضهم لاحتمال التعاطي. صورة المولى عزو وجل قد تميل إلى جانب أنه تعالى عظيم الغضب جبار متعالي شديد العقاب (الغاضب) أو أنه تعالى ودود رحيم قريب رؤوف( المحب). ووجد أن الأفراد الأميل لصورة المحب أقل عرضة للتعاطي والأميل لصورة الغاضب أكثر عرضة للتعاطي. أي أن الخطاب الديني في حملات الوقاية الذي يركز على حرمانية وعقوبات والتخويف قد يؤدي لنتائج عكسية.